صديق الحسيني القنوجي البخاري
179
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 48 إلى 52 ] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ( 48 ) لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 52 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أي لقضائه الذي قد قضاه في سابق علمه ، وقيل الحكم هنا هو إمهالهم وتأخير نصرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . لأنهم إن أمهلوا لم يهملوا ، وقيل هو ما حكم به عليه من تبليغ الرسالة قيل وهذا منسوخ بآية السيف . وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يعني يونس عليه السلام أي لا تكن مثله في الغضب والضجر والعجلة حتى لا تبتلى ببلائه إِذْ نادى أي لا يكن حالك كحاله أو قصتك كقصته في وقت ندائه ، ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصب عليها النهي ، وإنما ينصب على أحوالها وصفاتها وَهُوَ مَكْظُومٌ مملوء غيظا وكربا ، وقيل غما ، قال الماوردي والفرق بينهما أن الغم في القلب والكرب في الأنفاس . قال قتادة : إن اللّه يعزي نبيه صلى اللّه عليه وسلم ويأمره بالصبر وأن لا يعجل كما عجل صاحب الحوت ، وقد تقدم بيان قصته في سورة الأنبياء ويونس والصافات ، وكان النداء منه بقوله : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ سبحانك : 87 ] وقيل إن المكظوم المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس ، قاله المبرد ، وقيل هو المحبوس ، والكظم الحبس ، ومنه قولهم فلان يكظم غيظه أي يحبس غضبه ، قاله ابن بحر . والأول أولى ، والجملة حال من ضمير نادى وعليها يدور النهي لا على النداء لأنه أمر مستحسن . لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ أي صاحب الحوت نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ وهي توفيقه للتوبة فتاب اللّه عليه قال الضحاك : إن النعمة هنا النبوة ، وقال سعيد بن جبير : عبادته التي سلفت ، وقال ابن زيد : هي نداؤه بقوله لا إله إلا أنت ، وقيل إخراجه من بطن الحوت ، قاله ابن بحر . وقيل الرحمة . قرأ الجمهور تداركه على صيغة الماضي ، وقرىء بتشديد الدال وهو مضارع أدغمت التاء في الدال ، والأصل تتداركه بتاءين ، وهذه على حكاية الحال الماضية ، وقرىء تداركته بتاء التأنيث وهو خلاف المرسوم ، وتداركه فعل ماض مذكر حمل على معنى النعمة لأن تأنيث النعمة غير حقيقي ، وتداركته على لفظها . لَنُبِذَ بِالْعَراءِ أي لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات والأشجار والجبال وَهُوَ مَذْمُومٌ أي يذم ويلام بالذنب الذي أذنبه ويطرد من الرحمة ، وقيل مذموم مبعد من كل خير ، وقيل مذنب وقيل معاتب ، قال الرازي : مذموم على كونه فاعلا للذنب ، قال : والجواب أن كلمة لولا دالة على أن هذه